يُعَدّ الرمز من أكثر الظّواهر تعقيدًا في الدّراسات اللغويّة والسيميائيّة، لأنّه يتجاوز حدود المعنى المباشر للكلمات ليحمل دلالات إيحائيّة وثقافيّة أعمق. لكنّ السؤال الأهمّ ليس فقط: ماذا يعني الرّمز؟ بل كيف يتكوّن أصلًا داخل اللغة أثناء اشتغال الخطاب؟
من الرّمز الجاهز إلى الرّمز المتولّد
ينتقد البحث التصوّرات الكلاسيكيّة الّتي تتعامل مع الرّمز بوصفه قيمة ثابتة تُستدعى من المعجم أو من المخزون الثّقافيّ والأسطوريّ، كما هو شائع في البلاغة التّقليديّة وبعض المقاربات السّيميائيّة الحديثة. ويرى المؤلّف أنّ هذا التّصوّر لا يفسّر كيف تتحوّل عبارة عاديّة، في مقام معيّن، إلى عبارة رمزيّة مشحونة بالإيحاء.
الرّمز كوظيفة لغويّة ديناميّة
يقترح البحث فهم الرّمزيّة بوصفها وظيفة تتكوّن داخل الخطاب، لا خاصّيّة ثابتة في الكلمات. فاللغة لا تستحضر الرّمز جاهزًا، بل تُنتجه عبر آليّة ديناميّة تقوم على عنصرين متلازمين:
-
السّياق الّذي يفتح أفق المعنى ويوجّه التّأويل
-
التركيب النّحويّ الّذي يحمل هذا التّوجيه ويكثّفه داخل البنية اللغويّة
وبذلك يصبح الرّمز حدثًا دلاليًّا يتشكّل أثناء القول، حين تتجاوز الوحدة اللفظيّة معناها الوضعيّ لتُسهم في توليد معنًى جديد.
أدوات إجرائيّة لضبط التّحليل الرّمزيّ
ومن أبرز ما يقدّمه البحث اقتراحه لثّلاثة اختبارات تساعد على تقليل الانطباعيّة في قراءة الرموز:
-
اختبار العزل عن السّياق: هل تنهار الرّمزيّة إذا نُقلت العبارة إلى سياق محايد؟
-
اختبار حساسيّة العلاقة النّحويّة: هل يتغيّر الإيحاء بتبديل تركيب الجملة؟
-
معيار مركز الحمل الرّمزيّ: تحديد ما إذا كان السّياق أو التّركيب هو العامل الغالب في توليد الرّمزيّة
تطبيقات من الأدب العربي
يختبر البحث هذه الآليّة عبر نماذج من الخطاب الأدبيّ، مثل قول جبران:
«أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها»، حيث تتحوّل الإضافة النّحويّة إلى حامل رمزيّ ينقل العبارة من معنى بيولوجيّ إلى معنى وجوديّ.
خلاصة البحث
أن الرّمز في الخطاب العربيّ ليس مخزونًا جاهزًا نستدعيه، بل هو أثر لغويّ يتولّد باستمرار من تفاعل السّياق والتّركيب داخل النّصّ. وهذا التحوّل المنهجيّ يفتح أفقًا جديدًا لتحليل الخطاب العربيّ، يقوم على دراسة آليّات إنتاج الرّمزيّة لا الاكتفاء بتفسير نتائجها.
تعليقات
إرسال تعليق