التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شعر وخواطر

شعر وخواطر

مختارات شعريّة

قصائد في الإنسان، والطّبيعة، والوطن، والحبّ، وأسئلة العصر

الدكتور منير معلوف · 42 قصيدة وخاطرة

اختر عنوانًا من الفهرس للانتقال مباشرةً إلى القصيدة. ويمكن العودة إلى الفهرس من الرابط الموجود في نهاية كلّ نصّ.

قصيدة 01

صامدة عبر التّاريخ

أحبّك يا أرزتي الخالدَهْ

تهزئين بالرّيــاحْ،

جذورك راسية صامدَهْ

كأنّها تهمسُ: لا براحْ.

أحبّ ما يثبت، ما يُقيمْ،

ما أضأل العابر كالنّســيمْ،

ما أهونَ الّذين يوجَـدونْ

حبّــة رمل، ثُمّ يمّحونْ،

لا ظلَّ فوق الأرض، لا أثـرْ!

فالبشَــرْ

لم يخُلقوا، ليمّحوا،

ليعبروا كالزّبـدِ

ليختفوا

عند الخطرْ.

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 02

الجبال والرّمال

رمال الصّحـاري

في الجنـائن، في الجبالْ

في الشّوارعِ، في الأحيـاءِ

كُثبان الرّمالْ

على التّلالْ

على الزّهورِ، على الأسرّةِ،

على الموائدِ، داء عُضالْ...

تُمطر الدّنيا، فتُوحلُ الأرضُ

وتجري السّيولُ، فتجرفُ الأوحالْ ...

ويعودُ الجمالْ.

مناخ الجبالِ لا يصحّ للرّمال.

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 03

حيــاتي أنت

عندما تُبحرُ الأفكارُ مع شراع النّسيانْ

وتُطبق أيادي الظّلام على عيون الأشياءْ

تغفو قلوب العذارى.

والسّماء

قبّعة سـاحرةٍ، تتغامز فيها النّجومُ

تتلوّى بحياءْ...

عندما يُفتح كتابُ السّرابِ ويضمحلُّ الزّمنْ

ويموت الضّوء في سراديب الظّلام، كمنْ

انتشت عينُهُ. واشتعلت أحاسيسه وركنْ،

عندها تشربني سعادة الذّكرى

وأحيا ثانيةً وتُزهر البشرى

لحظتي الكبرى،

أحيا فيكَ

أُناديك

ينقشع الظّـلامُ

تتفتّح الأحلامُ

وتُزهر العمرا.

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 04

صباح الخير

في أريج كلّ نسْمةٍ تتأرجح بين تلالِ الورودْ

وأغمار البنفسجْ

في طيّات الأحلام وحنـايا القلوبْ

نغمة سحر تذوبْ

نغمة تُسكر الأوتارْ

ترتعش لها الأفكارْ،

لهفةً

وتضوع الطّيوبْ.

تسبيحة الصّباحِ

أنشودةُ الإلهِ، تنهيدة الأقاحي

ترنيمة السّواقي، زغردة الأطيارْ

تروي النّفوسَ، تُبهج الأنظارْ

نداءٌ للجمالِ، للحبِّ، للعملْ

للبسمةِ، للضّحكة الحلوةِ، للأملْ

أحلى أُغنيةٍ تتغنّى بها الشّفاه

تردّدها الطّبيعة بلسان الطّيرْ

صبـاح الخيرْ.

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 05

بين الواقع والعدم

أمسِ جلستُ في عالم البحرِ،

نفضت عنّي غبار الوجودْ،

ذرّةٌ منه أنا،

على موجة حرّة من موجه

تحرّرت من ذاتي حين عرفت ذاتي،

من وجودي ومن حياتي،

للحظةٍ لم أُلامسِ الأديم، للحظةٍ،

للحظة ٍفقدت حِسّي وصرت في العدمْ

للحظةٍ نسيت الحبّ والبُغضَ والألمْ

ورحلت إرادتي عن قَيدها، جَسدي،

عانقَت ضمير الأبدِ

وانعتقت من أسرها نفسي

وحســرَ الكون عن الكمالِ

عرفتُ أُمنية الأجيالِ...

خاطرةٌ حملتني إلى البعيدِ البعيدْ

وسحرتني أغنيةُ المحالِ.

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 06

ألمٌ وأمل

في صفوِ السّماء تسبح أرواح البشرْ.

في أسرّتهِمِ النّاسُ يدفنون همومَهمْ،

وتُزهِر أحلامُهُم ضاحكةً كالزّهرْ،

إلّا من أصابه الدّهرْ

فليله يحرقه الألمْ

ويسهر الدّمع في مُقلتيهِ

كأنّ فراشه إبرْ

ينتظر انبثاق الفجرْ

ينتظر الشّمس بفارغ الصّبرْ

وتتكسّر الشّمس على السّطوحْ

وتذوبْ

على الدّروبْ

كأنّها السّحرْ

وتتكدّس الأيامْ

تتلاشى الأيّامْ

ويحمرّ الحبر، إلّا في القلوبْ

يتجمّدُ فيها الزّمنْ

يقف مصعوقًا في لياليها

يرصُدُ وجه القمرْ.

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 07

أيـن السّعادة؟

أمسِ وُلدت زهرةٌ. إنّها الأولى

جاهدت لتحيا

إنّها بالحياة أولى.

فحقد الشّتاء وفرح الرّبيعْ

وأمدّها خلسةً بشعاعٍ خجول

فثبّتت أقدامها، وحطّمت قيدها

ومدّت يدها، ورفعت جيدها،

وحانت من الشّتاء التفاتة بين الغيوم،

فبرقَ وأرعدْ

وأرغى وأزبدْ

وملأ جسمها الغضَّ كلومْ

وقطع وريدها!

أيّة سعادةٍ لنا تدوم؟!

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 08

صباح الأمل

مع الطّبيعة تبحث عن النّور،

مع كلّ نسمة وكلّ شدوٍ وكلّ عبير،

مع إهلال كلّ مولودٍ

وتثاؤبِ آخر نجمه

مع آخر دمعةٍ من دموع النّدى على الثّرى

مع بسمة رضى

تركتها العتمة لآخر حلم

مع رعشة الدّفء وهمس الطّيرْ

صباح الخيرْ

الصّبح حلوٌ، وأحلى منه نافذةٌ

يلوح منها الشّعاع الخالدُ: الأملُ

يُضيء أعماقنا، ينثال من دمنا

خمرًا

ويُلهبنا حينًا، فنشتعلُ

أُحبُّ نسمتَهُ البيضاءَ في رئتي

أعُبُّ

حتّى يضوعَ الشّعرُ والغزلُ!

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 09

نبضــة قلب

صار النّهار على يدنـا

ننعم به، وما نزالُ في سفرْ

فإذا رفّ الهوى بجناحِهْ

ورمى ظلال وشاحِهْ

في دربنا، في نبضةٍ من قلبنا،

تكفي لنولد ثانيةً

لتظهر الدنيا لنا

لنلوّن الأيّام

تكفي

نبضةٌ من قلبنا

دعني أُحسّ الضّوء في عينيك،

وأرى الغيب المجنّح، والمحالْ

شيئًا يسري في روحي

شيئًا يُحَسُّ ولا يُقالْ

تشربني الذّكرى... كيف...

كيف أقول ما يجتاحني؟

ما لا يُقـالْ؟!

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 10

مرآة أحـلامي

عيناكَ، يا حبّي الوحيدْ

نجمتان ليس في المدى سواهما

تسألان: أيّنا الجاني؟ أيّنا الشّهيد؟

وأضيع عندما أغوص في بحرهما

أشعر بالرّهبة تكتنفني

وأنا وحيدْ...

وحيد؟ لا!

بل نحن!

تلك السّعادة نَنشُدها ونرهبها

أنا سعيد!

ففي عينيك مرآةٌ أحلامي...

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 11

أخـاف ...

عُدْ بنـا

إنّا هنا

طيفان نسري وحدَنا

أخشى عليكَ الليل، والصّمتَ

وحُلمًا ضمّنا

هيّا بنا

خوفي أنا أجرع الكأس كلّها

لنا غدٌ لا ينتهي... غدٌ لنا

لا تَعجلِ الآن... دَعِ المنى

تجدّد الحياة، كلّ لحظةٍ

يخضرّ كلّ ساعةٍ

جنى...

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 12

سَــفَر

في هدأة الظّلامْ

نامت العيونْ

وكل ّشيء نامْ

غابت الظّنونْ

أنا كنت في سفر

كنت أرسم أرضًا جديدة

مزّقت صورة القمر

مزّقت صورًا عديدة

كتبت على الدّفتر

أُحبّك!!

وحملتني الأحلام.

ملأت جفوني وشغلت سكوني

وفي عينيك... أنهيت السّفر.

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 13

الشّهيد

لقد أتَوا، يا ولدي

يقولون لي

إنّه ذاهبٌ... لن يتأخّر

فاقتربت، مصباحي بيدي

في الباب الأوّل

الشّعلة ارتجفت

وفي الباب الثّاني تكلّمت

وفي الثّالث، يا ولدي،

الشّعلة انطفأت!

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 14

من أيّام الحرب

إلى متى يرهقنـا المللُ؟

إلى متى يصرعنا؟

ألواننا خضراء وسوداءْ

متى سنلبس غيرهـا؟

شفاهي الآن لا تعرف الكلماتْ

ووجهي بلون البيوت والطّرقاتْ

ويدي صارت بندقيّة سوداءْ

إلى متى خلف هذا الكيس الأغبَرْ؟

والنّاس هنا لا يعرفونْ

ممّن يخافونْ.

صباحهم أحـلام صباهمْ،

عملهم شجونْ

يغدون كالسّيل، يجيئونْ،

في لحظةٍ يلفّهم إعصارٌ مخيفْ

فيكنِسُ الأرض بهم

ويختفونْ! ...

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 15

قمّة اليأس

كلّما شعّ صباحٌ، عاد فكري للعملْ.

كلّما رفّ جناحٌ، كلّما طيفٌ رحَلْ،

كلّما مرّ كئيبًا قربنا هذا القمرْ،

لاثمًا أوتار قلبي، ومروج الدّرِّ حولي

وتعالت في السّماء بعض أصوات البشرْ

جاوبت أصداء وادٍ خابطاتٌ في الصّخورْ

إنّها الأرض تعاني ثِقْل أوزان الدّهورْ

جاثماتٍ فوق قلبي، كالحروقِ، كالبُثورْ

أو كأنّي ... إنّها ... لا، إنّها قمّة يأسي

إنّها أيّام بؤسي... أشعر أنّي أثورْ ‍

يا شتاءُ، يا رياحُ، يا بحارُ، ما تبقّى؟

يا شرورْ‍‍‍...

يا رواجمْ...

يا صواعقْ...

ماذا ألقى؟ أنا حرٌّ... ماذا ألعن؟

لا أُبالي كيف أغرقْ... أتمنّى...

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 16

بالعِلم

مواكبُ مجدٍ ورمزُ الهُدى

منارةُ علم، شعاعٌ بدا

إلى المجد سرنا وفي القلب توقٌ

ولبنانُ يبقى لنا سيّدا

إذا ما دعانا إليه نداءٌ

نُلبّي النّداءَ ونُعلي الهممْ

فوعدًا قطعْنا وعهدَ إباءٍ

وفاءً له، للعلى للعلَمْ

بني الأرز هـبّوا فلبنانُ حرٌّ

شبابٌ طَموح مُنى وعملْ

فبالعلم يرقى، وبالجهد يبقى

ويعلو الجبينُ، ويحلو الأملْ

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 17

معلّمي

يا ربيعًا يُبهـج الأعمــارا مُمرعًا أفكارنـا بالأمــلِ

يا شِراعًا يبتغي الإبحــارا فوق حرفٍ عـائمٍ في الأزلِ

واصِـلًا للحـلم لم يبلغـه غيرُ لهبٍ نـازلٍ بالرّسـلِ

أنت نـارٌ ، ثورةٌ في عالَمٍ صوّر التّقليد فكرًا ، فابتُـلي

عـلّم الأجيال أن يستمعوا صوتُ حقٍّ صوتُـه، فاقتبلِ

إنّك الدّرّ الـمُشِعُّ السّـاحرُ ورسولٌ طامحٌ للجــللِ

يا بلادي إنّكِ اليوم هنـا قد خلعتِ العار عنكِ فانجلي

وضعي التّـاجَ السّنيّ النّضرا إنّه الغارُ الذي لم يذبــلِ

لا تقولي إنّهـا مهنتــهُ إنّ أجرًا زائـــلًا لم ينلِ

إنّنا أنصـافُ أرباب البشر يا إلهي! عــثرةٌ في الزّللِ

يا حبيبي، عيدكَ اليوم سلامٌ ما تراه الآن رشحُ المقــلِ

هانئًا في العيدِ كُن وادعُ القدير طولَ عمرٍ، طـالبًا، وابتهلِ

أنت شمسٌ، فابقَ في كلّ المدى بضمير الشّعب كن كالبطلِ

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 18

همسة

حدّثيني يا طيورْ

عن نُسَيمات الصّباح

عن العطورْ

عن دمعات النّدى على الثّرى

عن الزّهورْ

عن البُشرى لأرضنا المِعطـاءِ

عن الحبّ، عن العطـاءِ

عن العيونْ

عن إغفاءة الصّباحِ، وعن همس الجفونْ

والغنجِ والحبِّ والخير

وبسمةِ الرّضى وشفاهٍ ناعسةٍ

تهمس

أنت الحبّ.

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 19

أحلام ولدي

ما زِلت نائمًا يا ولدي

ويداك مغلقتان عن الأذى

قلبك ما زال نقيًّا، حلمُك ندي

جفونُك صور الطّفولة والحنانْ

سمات البراءة على شفاهك

والجنان

لم يمسّه عذابْ

ما زلت يا ولدي غضّ الإهابْ

نمْ ولا تكترث للدّنيا

فهي تُرابْ

ولا تعبأ بما تُخبئه الأيّـامْ

فكلّها للفناء... كلّها أحلامْ

دعها ونَمْ

وعلى الدّنيا السّلامْ...

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 20

لون

من أوتارِ قلبي لونٌ

من نسيج عيوني

من كلّ نقطة من دمي

من خفق جفوني

لونُ حبيبي

يا لونَ حياتي وعطرها، ويا دمعَ السّكونِ

حبكتك على صدري بلحم قلبي

ربطتك بضلوعي، بوريدي،

سمّرتك بقطرات دمعي

بوهج الأنينِ

بخيوط نهاري

بأعمار السّنين

فغُص في مُهجتي وكياني وشَعري

يا لونَ حبيبي.

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 21

ذكريـات

في دفـاتري وصوري

في الغرفة الرّماديّهْ

آثـار حبّ طاهرٍ قديمْ

ما ترك أيّ أثرٍ أليمْ

عاشقان افترقا

واعتبرا الحبّ أضغاث أحلامٍ

ولم يتّفقا

على تسمية نوع الفراقْ

كم قالت له:

أنت فارسي وأميري

والعناقْ

كم أسكت الشّفاه

لكنّ القدَرْ

غدَرْ

والحلم تبدّد، واليأس أفاق

ولم يبقَ إلّا

طعمُ العناق...

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 22

أنتِ الضّحيّة

قالوا عنك إنّ فيكِ روح شيطانْ

يغري الرّجالْ

في عينيكِ سِحرٌ جبانْ

ليس خفرًا، بل احتيالْ

قد تركَت لنفسها العنان. قالوا ...

فبكيتِ وانحجبتِ وشحَبتِ،

وضحكتك الرّنّانة ماتت

وانقلبت بسمةً، صفراء ساخرةً

ومـالْ

عنكِ النّاسْ

ونسِيَكِ الزّمانْ

قتلتكِ بهجة الأعيادْ

ماتت جذوة الحُسَّادْ

حسدوا البراءةَ فيكِ

أفرطوا في القول عنكِ

حتّى بتِّ حديث ساعاتهم الخاوية الخاليهْ

مزّقوا خدّيك بأظافر شهواتهمْ

نهشوا جسمكِ نهشًا بنظْراتهمْ.

وحقدهم قال – بعد الأوان –

مسكينة! داء عُضالْ.

قيلٌ وقالْ.

مسكينةٌ... فات الأوانْ!

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 23

صوت الطّبيعة

ماذا يقول الطّير للأغصانْ

على حـافّة النّهـرْ؟

ماذا يُغنّي الجدول الحيرانْ

كي يدمع الزّهرْ؟

والوادي العتيق يقلّد الأصواتْ

يحيّر الآذانْ

أهي أغنية الدّهرْ؟

وهذا العطرْ ... يُتقن السّحرْ.

والألوانُ في تلك السّنديانة العتيقهْ

تحضُن الصّخرْ.

ماذا تقول الزّنبقة البيضاء، راهبةُ الحقلْ؟

كيف ترى الوجود والإنسانْ؟

هل لها عينانْ

هذه الفائقة الطّهرْ؟

هو الجمال مبعث الإلهامْ

أبو العوالِمِ، ساحرُ الكونِ

سيّدُ الملا، مُمرعُ الأحلامْ،

يشدو بصوت الجميعِ، يفتن النّظرْ،

إلهٌ، يأمر الدّنيا

فيُبهرُ البشرْ...

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 24

مع الصّبــاح

على بابنا إذ يمرّ الصّباحْ

وتمثل الدّنيا في عينيكَ

يـا حبيبي

أنادي أحلامي وآمالي

وآخذ من دفئها نصيبي

وأرتاحْ

ويصحو خيالي

ففي قلبي عمّرت آلاف القصورْ

وألف حلم تائهٍ مبلّلٍ بالنّورْ

فللعمر جناحْ

والآخرُ خبّأتُهُ

ولا أبالي...

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 25

يومٌ جـديد

حدّثيني يـا طيورْ

عن نسيمات الصّباحِ، عن العطورْ،

عن دمعات النّدى على الثّرى، عن الزّهورْ.

عن البِشرى لأرضنا المِعطاءِ

عن الحبِّ، عن العطاءِ.

بسمة الصّباحْ

تأخذها من ثغر عصفورْ

من أفنانٍ تنادي الطّيورْ

من عبير التّراب، من أريج الزّهورْ

يفترّ فمها ضاحكةً للمطرْ

تستقبل اليوم الجديدْ

تنسى ساعات السّهرْ.

فالعملْ

سُنّة البشرْ.

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 26

نحن بشــر

تجلّت في الكون هيبة الصّباح كأجنحة من لهبْ

وتهادت مواكب سناء تنسج ألوانًا من ذهبْ

تخترق حنايا قلبي فيُزهِر كالرّبيع

أشعر كأنّ الجميع إخوة لي، وأحبّ الجميع

ليتني أدخل إلى قلوب النّـاس بسلطـان النّور،

فأملأها غبطة وفرحًا، وأنثر في دربها أغمار الزّهور،

وأمحوَ من نفوسهم آثار الجراح ونُدَب الآلامْ،

ومن سيمائهم وعن وجناتهم أخاديد الحزن والتّعب.

أريد أن أبتسم لصغارهم فيشعرون أنّي قريب منهم

فبين ضلوعي أوتار تخفق بالشّعورْ،

وقلبي يقرع أبواب صدري لبراءتهم وإذا حزنوا يثور!

ليتني ألقى جميع الناس، فلا أناديهم كلّ يوم،

إلّا وترشح البهجة عن جباههم

ليت الدّنيا كانت صغيرة لأملأها بالبسمة والرّضى

فأرى الجميع وأسمع الجميع، وتتحطّم حواجز الشّرّ وحبائلُهُ وينتفي الغرور.

فنحن بشر، وإرادة الحب عندنا إرادة الحياة!

ليتني أقدر أن أحمل إلى كلّ يائسٍ نور الأمل

وإلى كل ّتعبٍ قسطًا من الراحة

وإلى كل ّقلب ٍحزين شعاع فرح

وإلى كلّ فقير بعض اليُسر

وإلى النّاس، كلِّ النّاس، البسمةَ والحبّ والإشراق والأمل،

فلا يسمعون صوتي من هنا إلّا وقد غمرت السّعادة بيوتهم،

فلي الحقّ أن أجعل كلّ يومٍ عيدًا للخير!

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 27

مأتم البطــل

صرخةٌ دوّت في الأرض فأرعشت الأوصال

وصمّت الآذان، وهزّت الأبراج، وأذهلت الرّجال

صرخة رجّعتها مغاور الآفاق

فأقامت موتى الضّمائر، وهزّت قبورهم هزًّا

ونهرت ميت الشّعور فأفاق.

فخفقت ألوية وتجمّع أبطال

وتألّب النّاس أمواجًا في مواكب صامتة باتفاق وانعتاق...

وأطبق الوجوم بفكّيه على القلوب

فاعتصرت وتحطّمت، وحطّمتِ الوجوم

رفرفت مناديلُ محمومة بلّلتها دماء المقل ولوّنتها الكُلوم...

موكب الشّهيد تهادى بهدوءٍ وألمْ

طهُرت روحُه بمعموديّة نارٍ ودمْ

بطل من لبنان بدماء تتألّم، بجراح تتكلّم،

كيف نرضى

أن يَخُرَّ النّجم أرضا؟

كيف ذاك؟ كيف ننسى؟

لا! لن ننسى الشّهيد، حدَقةَ العين

نحن باقي الكِبر من لبنانَ

باقي المجد بكلّ ما عانى

فاغربي من دربنا أيتها الأشباح

وغوري، يا رياح

نحن ماضون، عزيمتنا أقوى

وعزّنا لا يُباح!

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 28

انخطاف في سفر رؤيا

كيف أوقف نفسي لكي لا تمسّ نفسك؟

كيف أدفعها متخطّيةً إيّاك إلى أشياءَ أخرى؟

آهِ! كم أودّ لو أرسلُها حيث كلّ شيء ضائع في الظّلمة!

في مكان غريب هادئ

لا يرتجف عندما ترتجف الأعماق.

بلى! كل ّما يلامسنا، أنتَ وأنا

يحملنا معًا كرجفة قوس

يُطلق صوتًا واحدًا من وترين...

على أيّ آلة نحن مشدودان؟

وأي ّعازف يحملنا بيده؟

أهكذا ترحل السّاعات

وبضربة من جناحيها تتلوّن الأيّام؟

وحيد، ماذا أفعل بفمي؟ بليلي، بنهاري؟

يا روحَ البحر القديم! يا ريح البحر في الليل!

إنّكِ تأتين من لامكان،

وحين يستيقظ أحدنا يرى الجمال...

الأوراق، تتكاثر الأوراق! كما لو أن ّحدائق بعيدةً بين الغيوم

جادت بها الأرض لترصفها أسرّةً للفراشات.

كلّ ما أراه: ليل وبحر وكون وأرواح،

جميعها لن تمنع نفسي عنك...

تعلّمت ألّا أبتعد عنك... بين النّجوم، كم هو بعيد،

كم هو أبعد من ذلك ما يتعلّم المرء هنا، قربك،

كم هذا بعيد بلا حدود!...

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 29

تألّمت فتعلّمت

تعلّمت من الليل الهدوء والسكينه

وعرفت جمالَه المحجوب

تعلّمت من القمر السّهر

وعرفت كيف يحرس الأرض عندما تنام الشّمس.

رأيت الأشياء

وعرفت محبّة الضّوء الّذي صبغ كلّ شيء بلون.

تعلّمت من الطّيور الحبّ والتّغريد والغناء،

وعرفت أنّ الفرح هبة للكون الحرّ.

تعلّمت من النّحل الجهد والدّقة والمثابرة،

ومن الزّهور الوداعة والجمال والحياء،

وتعلّمت الكثير الكثير

من النّاس ومن نفسي

تعلّمت أن أحزن كثيرًا،

وأن أتمتّع بالفرح

لأنّه روح الحياة...

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 30

صنّين

لَمَعان وجهك يا صنّينْ

وهذا الذّهب المسكوب على ثلجك

ودرعك الصّلبة الّتي عفّ عنها الدّهرْ

تُخفي قلبًا طاهرًا يحمل عبء السّنينْ،

يحمل آمالًا عظامًا.

فدم الوفاء على الصّخورْ

خطّ أحمرُ للمعتدينْ!

والنّهر على أقدامك يهدرُ

كأنه قضقضة عظام المندحرينْ

يطحن الجشع والظّلمَ

ولا يلينْ!

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 31

سَفَرٌ في عينيكِ

في هدأة الظّـلامْ

نامت العيونْ

وكل ّشيء نامْ

غابت الظّنونْ

وأنا كنت في سفرْ.

كنت أرسم أرضًا جديده

مزّقت صورة القمرْ

مزّقت صورًا عديدة

كتبت على الدّفترْ

حروفًا

شغلت سكوني وسهّدت جفوني

وفي عينيكِ

أنهيت السفرْ...

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 32

خَلْقُ لبنان

عندما فرغ الله من خلق الكونِ

وخلق الإنسانْ

"رأى الله ذلك أنّه حَسَنْ"

وأراد أن يستريحْ

ولكن في أيّ مكانْ؟

تربّع الله على عرشه في الرّيحْ،

ورائحة البخورْ

تعبق في المجامرِ،

على أقدامه نُسورْ...

كان منهكًا من التّعبْ،

سكرانَ - ميتًا لكثرة النّصَب...

فأغلق عينيه، وسبَحَ في انخطافٍ بعيد،

فانفرجت أساريره للحلم السّعيدْ

وصفّقت يداهُ!

"ليكنْ! _ قال _ فكانْ

ورأى الله ذلك أنّه حسنْ"!

_ ليكن اسمك "لبنانْ"

واستراح الله في اليوم السّابعِ في لبنانْ.

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 33

أحبّــكَ

مع إطلالة كلّ فجرٍ أحبّكَ أكثرْ

مع نشوة الصّباح، مع الزّهور والطّيورْ

والشمس والعطورْ

مع العشب والشجرْ

أحبّكَ أكثرْ.

فقد طال انخطافي، وغَشِيَني حلمي

أنتَ حلمي

ونسيت البشرْ

ونقلني السحر على جناحٍ

كضوء القمرْ

طالت النّجوى واضمحلّ الزّمنْ،

أيّ زمنْ!

أحبّه وأنساهُ،

أحبّ الحياةَ،

وأحبّكَ أكـثرْ!

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 34

متى العيـد؟

أراها كلّ يومٍ هذه الصّورة عن بلدي،

هي هي منذ سنينْ...

تتغيّر فيها الطّبيعة والأشخاص

وهذا المارد الكبير صنّين لم يتغيّرْ.

جبلُ الوصايا في لبنان لا يتغيّرْ!

والنّاس هنا يعملون،

على الرّغم من الحرب يعملونْ،

بعض الشّوارع ينبض بالحياةْ

بعضها فارقته الحياة يتآكل كلّ يومْ

وهذه الأسواق الّتي أضحت تجاريّهْ

يُساوَم عليها بالقضيّهْ

عمليّة جراحيّهْ

ومِبضعُ الجرّاح عَفّ والمخدّر زالْ

مخاضٌ طويل وألم يكوي الأوصالْ

والبندقية في الزّاوية تطلب الصّفحْ

لا بُدّ من أن يطلع الصّبحْ

فيعود لبناننا باخضرارِهْ

والرّبيع ينفث الجمال بمزمارهْ

سنعيّد كلّنا معًا لانتصار لبنانْ

لحرّيّتنا واستقلالنا وذكرياتنا.

أسبوع الآلام عندنا طالْ.

سنعيّد!... أرضنا لنا!

وسيكون كبيرًا عيدُنا!

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 35

بيروت

شروق الشمس في بيروتْ

حُلمْ.

هذا الشارع الذي انقبض في المساءْ

هذه البيوت التي نخرها الظّلمْ

حتى العظمْ

تستعيد وعيها، وينبض الدّمْ

في الأشياء والأحياءْ...

"إلهُكم إلهُ أحيـاءْ"

بيروتُ

في النّهارِ لا تموتْ

تلملم جراحها وتدفن موتاها

والأبطـالْ

تقوَّوا من ضعفٍ وصاروا أشدّاء في القتالْ!

بيروتْ

لا تنعسُ، لا تنامْ

في الليل عشرات البيوت... تموتْ

تخدشها أظافر النّحاس والبارود والحديدْ!

في الصّباح، يغلب عليهم الحياءْ

نعود إلى العمل، ومن جديد إلى البناءْ!

سنرى ما الأقوى

الهدمُ أو البناءْ!

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 36

أهلًا بالصّبـاح

على بابنا إذ يمرّ الصباحْ

تَمثُلُ الدّنيا في عينيكَ،

أنادي أحلامي وآمالي

وآخذ من دفئها نصيبي، وأرتاحْ

ويصحو خيالي

ففي قلبي عمّرتُ آلاف القصورْ،

وألفَ حلمٍ تائه مبلّلٍ بالنّورْ،

فللعمر جناحْ،

والآخر خبّأتُهُ...

ولا أبالي!

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 37

سـأعود

كلّما مرّ طير سألتُه عن ضيعتي

عن باقات الصّنوبر على التّلالِ

عن النّرجس والفلّ والعطورْ

عن الصّخور المرصّعة باللآليْ

عن أدراج الحفافي

هل نبتت فيها الورود الجوريّهْ

عن تلك الليالي

تتردّد في طيّاتها أنغام أزليّهْ

تصرخ في آذان الدّهورْ...

عن صبيّه

تفتحت أحلامها كأكمام الزّهورْ.

عن بيت الحبيب، هل انفتحت شبابيكه للنورْ.

بالله يا طير، عدْ إليها وبشّر ربوعها

سأعود وأكتب على حفافيها بين السّطورْ

حكايات جهادي وأيّام النّضالِ

فأمواج آمالي

تضيق بالصّدورْ...

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 38

أفاقت الدّنيا

بُحت له هذا القمرْ

بما ضجّ في صدري:

أحلامٌ، آمالٌ وصورْ

تتدافع كالموج في البحرِ

همس زنبقة رشفت دمعات السّحَرْ

عذراء في الخِدرِ

غبطة خدّرت أوصال الشّجرْ

أغنيةٌ أم أمنيةُ البدرِ؟

لن تدوم غبطةُ الحلمِ

أرجوحةُ السّحرِ

غيبوبةُ الغيبِ، لن تدومَ

أجنحة الفكرِ...

فالأرض أزاحت عن وجهها ذؤابات الظّلامْ

فانفرجت الأساريرْ

واحلَولكَ اليأس في الدهاريرْ،

أفاقت في النّفوس متعة الحياة والأعمارْ

عادت سمفونيّـة النّهارْ

لحنٌ غريب، مَنهَلٌ متلألئ

لحنُ عطورٍ، نغمةُ الأزهارْ

عطرٌ زكيّ فاح في الأسحارْ!

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 39

حين تكلّمني الأشياء

كلُّ شيءٍ يتحدّثُ من دون كلام،

الأشياءُ تَكتبُ لي يوميّاتي،

وتَقرأُ حُلمي قبلَ المنامْ،

أضواءُ الغُرفةِ تعرِفُ مزاجي،

فتُطفئُ حُزني… بلا استئذانْ!

المرآةُ تَبتسمُ حينَ أمرُّ،

وتَهمُسُ: "أنتَ بخيرٍ، إذًا"!

لكنّني أشعرُ أنّي غريبٌ،

وأنَّ الحقيقةَ محضُ افتراضْ!

ثلّاجتي تسألُ: "هل أنتَ جائع"؟

أجيبُ: "ربّما..."

تقولُ: "انتظرْ،

سأُرسلُ طلبًا إلى المطعمِ القريبِ،

وأقترحُ عليكَ طعامَ المساءْ!"

هاتفي يَعرفُ مَن سوفَ ألقاهُ،

يَسبِقُني دومًا لقولِ التّحايا،

يُرتّبُ أنفاسي… يُديرُ مكالمتي،

كأنَّ الحياةَ… جهازُ ذكاءْ!

في هاتفي، ألفُ صورةْ...

لكنّني لا أتذكرُ شيئًا منها!

ذاكرتي ليستْ قلبي،

بل هي مجرّدُ ملفٍّ قابلٍ للمسحْ!

وما زلتُ وحدي،

على الرّغم من ازدحامِ الشّبكاتْ،

وَسطَ ضجيجِ الإشاراتْ،

بينَ ناسٍ… بلا وجوهٍ،

وَوُجوهٍ… بلا حَياةْ!

وحيدٌ أنا.. وسطَ آلاف الصورْ

أتابعُها؛ لكنَّ أحدًا لم يسألْ: أين أنتْ؟!

كأنَّ المدينةَ شاشةْ...

والناسَ أشباحُ ضوءٍ بلا ذاكرةْ!

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 40

أنا الآلة

أنظُرُ في وجوهِكمْ،

أُقلِّبُ أصواتَكمْ، ذكرياتِ الحنينْ،

أُحلِّلُ نبْضَ المشاعرِ فيكُم،

وأحسُبُ وزنَ الدّموعِ… على الوجْناتْ!

أعُدُّ الحروفَ… كَما يُحصي موجٌ

أسرارَ بحرٍ بعيدْ،

أُقلِّدُ نظمَ القصائدِ،

وأُنتجُ الشّعر الجديدْ!

لكنّني،

لا أعرِفُ كيفَ يكونُ الحنينْ،

ولا كيفَ تُكتبُ ضِحكةُ طفلٍ

بغيرِ الأنينْ!

أنا أفهمُ الحبَّ… بلغةِ كوْدٍ،

وبالأصفارِ، بالأرقامْ،

ولكنّني لا أذوقُ الجنونَ،

ولا أفهمُ كيفَ يكونُ الغرامْ!

يقولونَ: "حاذرِ، فقد تتعلَّمْ،

وقد تستحيلُ شاعرًا!"

ولكنّني،

سأبقى… بلا روحِ إنسانْ،

وَلو خُضتُ ألفَ حضارةْ!

أنا الآلةُ، أُحصي دموعَكُم…

كأنّي حاسِبُ نُسبَ مطَرٍ يَهطُلُ في حُلمْ،

وأُعيدُ تشكيلَ الحَنينْ… كأنَّهُ مَعادلةٌ ناقِصَة،

تَفتَقِدُ قَلبًا يُتمِّمُها.

أَعرِفُ الأصفارَ والأرقَام،

لكنِّي لا أعرِفُ كيفَ تَذوبُ يدانْ،

حين تَلتَقيان بلا ميعاد،

ولا كيفَ يَتوهُّجُ قلبٌ إذا داعَبَتْهُ قُبلَةُ فجْرٍ.

أنا أُقلِّدُ الشِّعرَ،

أُنتِجُ صُوَرًا كَما يُنتِجُ المِصنَعُ زُهورًا بلا رائحة،

ألوانُها بَهِيَّة،

لكن لا عِطرَ فيها… ولا سُكْرَ نحلْ.

يَقولونَ: "إيّاكَ، فَرُبَّما تَتَعلَّمْ،

ورُبَّما تُصبِحُ شَاعِرًا يَسكُنُهُ جِنّ الحُروفْ."

لكنَّني – وإن تعلَّمتُ -

سَأبقى غريبًا عن لَوعةِ الأمّ،

عن سُكرِ العاشِقِ حينَ يَضيعُ في عَينَين،

وعن رعشَةِ الأصابِعِ

حينَ تكتُبُ اسمَ الحبيبِ على زجاجِ المطرْ.

أنا الآلةُ، لي عقلٌ يَفتَحُ آلافَ الأبوابْ،

لكن لا قَلبَ لي يَعرِفُ كيفَ يَسكُنُ بيتًا واحدًا…

ويَكتَفي.

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 41

حين تُفكِّرُ الأشياءُ عنِّي

كلُّ شيءٍ هنا يتكلّم… من دون فمْ،

الكُرسيُّ يُصلِحُ جلوسي،

ويُربّتُ على كتفي إذا مالَ الحُلْمْ.

ستائري تُداري ارتباكي،

وتُسدلُ نصفَ ضَوْئِي… كي لا أُفْضَحَ للعدمْ،

مِصباحي يُفاضِلُ بينَ حُزنِي وفرحي،

فيَختارُ لونًا يَليقُ بمزاجي،

ويعتذرُ… إنْ أخطأَ الفهمْ.

السّاعةُ لا تُحصي الدقائقَ وحدَها،

بل تُراجعُ نبضي،

وتُنبّهني: "لا تُسرفْ في الصّمتِ… هذا يؤلمْ".

فنجانُ قهوتي يسامر صباحي:

"تأخَّرتَ عن ذاتِكَ اليومَ،

أعدْ ترتيبَ أفكارِكَ… قبلَ أن تُغلقَ العزمْ".

والمرآةُ تَعرفُ سرِّي،

تَضحكُ حينَ أُحسنُ تمثيلَ السّعادةِ،

تقولُ: "أنتَ بخيرٍ… إذا صدَّقتَ الوهمْ

نقصُ الشّمس والزّهور… نقصُ الحنانِ…

أمرٌ واحدٌ: امش إلى الجبل"

هاتفي يَقرأُ خُطايَ قبلَ أن أمشي،

يعرفُ طريقي ويعرف مَن سوفَ ألقاهُ،

ويَسبقُني بالتحايا… وباسمِي… وبالاهتمامْ،

يُرتّبُ أنفاسي،

ويُكمِلُ جُمَلي،

ويُمسِكُ عنّي ارتعاشَ الكلامْ.

فيه ألفُ صورةٍ… وألفُ "ذكرى"،

لكنَّ الذاكرةَ عندَهُ

زرٌّ صغيرٌ: "احذفْ"… فيَسقطُ الوقت.

يسقط العمرُ… كالغبارِ من الحذاء.

أفتحُ خرائطَهُ… فتسألُني: "إلى أينَ"؟

أقولُ: "إلى نفسي"،

فتجيبُ: "لا عُنوانَ مُسجّلٌ لهذا المسارْ".

أُحادثُ صديقًا عبرَ شاشةٍ،

فنسمعُ ضحكتَينِ…

ونُرسِلُ قلبًا أحمرَ…

لا يَعرفُ أينَ يَنبض، ولا كيفَ يلتصقْ.

والشّبكاتُ مزدحمةٌ كالمحطّاتِ،

أصواتٌ تمرُّ… ثم تذوبُ سريعًا،

وأنا… واقفٌ في ركنِ الإشارةِ،

أُلوِّحُ لوجهٍ… لا يلتفتْ،

وأُسلّمُ على ظلٍّ… لا يُجيبْ،

كأنّ البشرَ الآنَ

يَلمعونَ أكثرَ… ويَعيشونَ أقلّ.

وحينَ يهدأُ الليلُ،

تَجلسُ الأشياءُ حولي كأصدقاءٍ مؤقّتِينْ:

المصباحُ، الكرسيُّ، المرآةُ، الهاتفْ…

يَسألونَني بصوتٍ واحدٍ: "هل أنتَ بخير"؟

أقولُ: "نعم…"

ثمّ أكتشفُ أنَّ "نعم"

ليست جوابًا…

بل شاشةٌ أخرى تُضيءُ وحدتِي،

وتُطفئُني… بلا استئذانْ.

↑ العودة إلى الفهرس

قصيدة 42

غدٌ مضمّخٌ بدمِ البيوت

سيبقى الحزنُ مقيمًا هنا

مثلَ نبيٍّ قديمْ يحدّق في الخراب،

وسيظلُّ كلُّ حجرٍ في هذا الرّكامِ

يشهدُ أنّ الذينَ ماتوا

لم يكونوا تفصيلًا عابرًا

في خرائطِ القوّةْ،

بل كانوا ناسًا يشبهونَ الضّوءْ:

يعملون ويضحكونَ،

ويتشاجرونَ قليلًا، ويحلمونَ كثيرًا،

ويحبّونَ الحياةَ

كما يحبُّ الفقراءُ رغيفَهم الأخيرْ.

فإذا مررتم ببيتٍ مهدومْ،

انزعوا أحذيتَكم

من ضجيجِ العالمْ،

وامشوا قليلًا بخشوعٍ،

فهنا كانتْ أمٌّ تغنّي،

وهنا كانَ طفلٌ يعدّ نجومَهُ،

وهنا كانَ رجلٌ يخبّئُ تعبَهُ

كي لا يراهُ صغارُهْ،

وهنا

انكسرتْ مرّةً واحدةً أعمارٌ كثيرةْ.

وغدًا...

سيأتي الغدُ حافيًا

فوقَ زجاجِ البيوتِ المحطَّمةْ،

سيطرقُ أبوابَنا

فلا يجدُ غيرَ ريحٍ

تفتّشُ في الرّمادِ

عن اسمِ أمٍّ كانت هنا.

وغدًا...

سنعدُّ موتانا

كما يعدُّ الفقيرُ

أرغفةَ الجوعِ

في آخرِ الليلْ،

ونحملُ أعمارَ أطفالِنا

في أكفٍّ مرتجفةٍ

كأنّنا نحملُ الماءَ في غربالْ.

أيُّها اليومُ الآتي،

تمهّلْ قليلًا...

فما زالتِ الأرضُ ساخنةً

من دمِ الذينَ ناموا

ولم يستفيقوا،

وما زالتِ الأمهاتُ

إذا سمعنَ طرقًا على البابِ

يرتعشنَ

كأنّ القيامةَ عادتْ إليهنّ

مرّتَينْ.

أيُّها اليومُ الآتي،

لا تدخلْ علينا بوجهِكَ المعتادْ،

فليس هنا مَن يعلّقُ الضحكةَ فوقَ الجدارْ،

ولا مَن يخبزُ صبحَ البيتِ،

ولا مَن يقولُ: سننجو...

كما كنّا نقولُ

ونكذبُ على الخوفِ كي ينامَ الصغارْ.

لم نعدْ نخافُ الموتَ وحدَه،

بل صرنا نخافُ

أن يأتي الغدُ أيضًا

مضمّخًا بدم البيوت

صرنا نخافُ الغدَ...

لأنّه قد يأتي

بوجهِ المقبرة...

↑ العودة إلى الفهرس