بسكنتا في العقد الأوّل من القرن العشرين، 1900 – 1909
د. منير معلوف
دراسة
تاريخيّة موثّقة
تتناول هذه الدّراسة ملامح الحياة في
بسكنتا خلال العقد الأوّل من القرن العشرين، من حيث التّنظيم الإداريّ والسكّان
والبنية العائليّة والاجتماعيّة، والزراعة والحرير والحِرف، والسوق، والتعليم،
والمؤسّسات الدينيّة، والهجرة، والحياة اليوميّة، وعدد من الشخصيّات التي عكست
التحوّلات التي شهدتها البلدة في تلك المرحلة.
وتقتضي طبيعة المصادر المتاحة التمييز
بين ما تثبته وثائق أو مصادر معاصرة للفترة، وما تنقله مصادر محلّيّة لاحقة
اعتمادًا على السّجلّات والذّاكرة التّاريخيّة، وما يمكن استنتاجه بحذر من دراسات
أوسع عن جبل لبنان. ولذلك جرى تجنّب اعتماد الأرقام أو التفاصيل التي لا يمكن
ربطها زمنيًّا بصورة مؤكّدة بالسّنوات بين 1900 و1909
1.
بسكنتا في الإدارة العثمانيّة والسكّان
بسكنتا في
التنظيم الإداريّ لمتصرّفية جبل لبنان
كانت بسكنتا، بين سنتي 1900 و1909،
جزءًا من متصرفيّة جبل لبنان التي أُنشئت في أعقاب أحداث سنة 1860، ودخل
نظامها الإداريّ حيّز التنفيذ سنة 1861. وقد تمتّعت المتصرفيّة بوضع إداريّ خاصّ
داخل الدولة العثمانيّة، يحكمها متصرّف مسيحيّ عثمانيّ تعيّنه السّلطنة بموافقة
الدّول الأوروبيّة الضامنة، وفق «النظام الأساسيّ» أو Règlement Organique الذي استقرّ بصيغته المعدّلة سنة 1864. وقُسّم
جبل لبنان إلى أقضية تتفرّع منها نواحٍ وقرى، لكلّ منها جهازها الإداريّ المحلّيّ (Akarlı, 1993, pp. 148–149) .
وتشكّلت "ناحية بسكنتا" ضمن
قضاء المتن في سنجق جبل لبنان،
وكانت بسكنتا نفسها مركزًا لهذه الناحية التي حملت اسمها. وتنسجم هذه المكانة مع
موقعها الجغرافيّ واتّساع أراضيها واتّصالها بجرود المتن وكسروان من جهة، وبصنّين
والبقاع من جهة أخرى. ويشير طوني مفرّج إلى امتداد أراضي بسكنتا على نحو 3620 هكتارًا
(مفرّج، 2002، ص
101).
وكان المختار أو شيخ القرية جزءًا من
الجهاز الإداريّ المحلّيّ، كما شارك شيوخ القرى في النّظام الانتخابيّ الذي قام
عليه مجلس إدارة المتصرفيّة (Akarlı,
1993, p. 83) .
الإدارة
المحلّيّة والنّخبة القانونيّة
يقدّم
دليل لبنان لإبراهيم بك الأسود، الصادر سنة 1906، صورة مباشرة عن الجهاز الإداريّ
المحلّيّ في بسكنتا خلال الفترة موضوع الدّراسة. فقد كانت البلدة مركز مديريّة
بسكنتا، ويذكر الدّليل أنّ شيخها كان حبيب كرم، وأنّ مختاريها كانا إبراهيم نعمة
خلف وداود سليمان الحدّاد. كما كان فيها قومسيون بلديّ، أي هيئة بلديّة محلّيّة بحسب اصطلاح ذلك العصر، يرأسها
مدير النّاحية بحكم منصبه، وتضمّ عددًا من أبناء البلدة (الأسود، 1906).
ويكشف
المصدر نفسه عن وجود نخبة قانونيّة محلّيّة، إذ يورد بين وكلاء الدّعاوى المأذونين
من حكومة المتصرفيّة في قضاء المتن عددًا من أبناء بسكنتا، منهم خليل أفندي أيّوب،
ودرويش أفندي أبو ناضر، وطانيوس بك أبو ناضر (الأسود، 1906). ويشير ذلك إلى وجود
فئة محلّيّة متعلّمة وفاعلة في المجالين القانونيّ والإداريّ، إلى جانب رجال الدين
والتّجّار وأصحاب الحِرَف.
وفي
سنة 1909 تولّى فارس أمين الحاج نصّار إدارة ناحية بسكنتا، واستمرّ في هذا المنصب
حتى سنة 1911، قبل أن يتدرّج لاحقًا في مناصب قضائيّة أخرى (مفرج، 2002، ج. 5، ص
41).
ويظهر
استمرار مشاركة أبناء بسكنتا في الإدارة المحلّيّة في السّنوات اللاحقة أيضًا. ومن
أبرزهم يوسف منصور حبيقة، المولود سنة 1865، الذي عمل معلّمًا للناشئة في مدرسة
سيّدة الانتقال، وشغل وظيفة رفيق كاتب عدل، ثم تولّى لاحقًا وكالة مديريّة بسكنتا
خلال سنوات الحرب العالميّة الأولى.
وتثبت
المصادر أنّه كان يشغل هذه الوظيفة في سنتي 1915 و1916 على الأقلّ، في ظروف
عسكريّة وإداريّة شديدة الصعوبة (حبيقة، 1946، ص. 153؛ أبو ناضر، 1920/2017). وعلى
الرّغم من أنّ هذه المرحلة تقع خارج الإطار الزمنيّ المباشر للدّراسة، فإنّها
تبيّن استمرار حضور النّخبة البسكنتاويّة المتعلّمة في الوظائف الإداريّة المحلّيّة
خلال أواخر العهد العثمانيّ.
المتصرّفون
بين 1900 و1909
مرّت متصرّفية جبل لبنان في هذه السّنوات
بحكم ثلاثة متصرّفين. كان نعّوم باشا متصرّفًا حتّى سنة 1902، وخلفه مظفّر باشا
بين 1902 و1907، ثم يوسف فرنكو باشا منذ سنة 1907 (Akarlı, 1993, p. 59) .
وشهد عهد مظفّر باشا تطوّرًا في
الحياة الانتخابيّة، ظهر أثره خصوصًا في المتن وكسروان (Akarlı, 1993, pp. 93–94)، فيما
انعكست الثّورة الدّستوريّة العثمانيّة سنة 1908، خلال عهد يوسف فرنكو باشا، على
النّقاش السّياسيّ في المتصرفيّة وعلى المطالب المتعلّقة بالانتخابات والحرّيّات
العامّة (Akarlı,
1993, pp. 72–74) .
السّكّان
يورد
إبراهيم بك الأسود في دليل
لبنان، الصّادر سنة 1906، إحصاءً مفصّلًا لسكّان بسكنتا، بلغ مجموعه 1177
نسمة توزّعوا على 730 مارونيًّا، و420 من الرّوم الأرثوذكس، و27 من الرّوم الكاثوليك
(أسود، 1906، ص 604). وتكتسب هذه الأرقام أهمّيّة خاصّة، لأنّها تقدّم معطًى عدديًّا
مباشرًا عن حجم سكّان البلدة وتركيبهم الطّائفيّ في قلب الفترة موضوع الدّراسة.
غير أنّ ورودها في كتاب منشور سنة 1906 لا يعني بالضّرورة أنّ عمليّة الإحصاء
نفسها أُجريت في السّنة عينها، ما لم يصرّح المصدر بذلك صراحة.
وللمقارنة الأوسع، تفيد إحصاءات
1913–1914، أي بعد الفترة التي ندرسها بقليل، بأنّ عدد سكان قضاء المتن بلغ 89,676
نسمة (Akarlı, 1993, p. 106) ؛
أمّا بعض الدّراسات المتعلّقة بميخائيل نعيمة فتشير إلى أنّ بسكنتا كانت تضمّ نحو
ألفي نسمة في أواخر القرن التّاسع عشر، إلّا أنّ هذا الرّقم ينبغي التّعامل معه
بوصفه تقديرًا تقريبيًّا ما لم يُرَدّ إلى سجلّ إحصائيّ أصليّ.
ولا يمكن فصل التّطوّر السّكانيّ في
بسكنتا عن موجات الهجرة إلى الأميركتين التي تسارعت منذ أواخر القرن التاسع عشر،
لما كان لها من أثر مباشر في عدد المقيمين وفي البنية الاقتصاديّة والاجتماعيّة
للأُسر.
2.
البنية العائليّة والاجتماعيّة
تكشف
أسماء العائلات في بسكنتا عن نسيج اجتماعيّ واسع ومتعدّد الفروع، ارتبط بتاريخ
البلدة الدينيّ والزّراعيّ والتّربويّ والإداريّ. غير أنّ القوائم التفصيليّة
المتاحة دُوّنت في مصادر محليّة لاحقة، ولذلك لا يمكن التّعامل معها بوصفها
تعدادًا رسميًّا للعائلات في سنة بعينها من الفترة 1900 – 1909. ويظلّ كتاب بطرس
حبيقة، تاريخ بسكنتا وأسرها، من أهمّ المراجع المحلّيّة في هذا المجال؛ إلّا
أنّه صدر بعد نحو أربعة عقود من الفترة موضوع البحث، ولذلك ينبغي التّعامل معه
بوصفه إعادة بناء تاريخيّة لا سجلًّا إحصائيًّا معاصرًا.
وتورد موسوعة قرى ومدن لبنان
قائمة واسعة من العائلات المارونيّة، منها: أبو توما، أبو خاطر، أبو خليل، أبو
سكحة، أبو عقدة، أبو ناضر، أبي اللمع، أبي ياغي، بسطريني، بصيبص، بعلبكي، بلعة،
التنّوري، جدعون، جرمانوس، الحاج، حبيقة، الحدثي، حرب، حريقة، حليحل، حنكش، خزاعي،
الخوري حنّا، الدبّور، رفول، ريشا، الريف، الزغبي، الزمّار، الزيّات، الزيتوني،
سعد الله، سميا، شتّت، شعنين، صالومي، الصبّاغ، صفير، صقر، الصيّاح، ضوّ، طربيه،
عاقوري، العلم، غانم، فريفر، فليحان، كتّاني، كرباج، كرم، المدوّر، مبارك، معتوق،
منيِّر، مهنّا والهراوي (مفرّج، 2002، ص 108).
ومن العائلات الأرثوذكسيّة: أبو حيدر،
طراد، فرح، أبو منصور، أيّوب، تبشراني، جبرايل، الحداد، خلف، الخوري واكيم،
الرميلي، سابا، الشويري، عبيد، عتيق، عجوز، عماد، فريجة، قرطاس، كعدي، الكفوري،
نعيمة ويافث. ويورد مفرّج عائلة عبده ضمن الرّوم الكاثوليك (مفرّج، 2002، ص 108).
3.
الزراعة والحرير
والحِرَف
المجال الزّراعيّ واستثمار الأرض والمياه
لم يقتصر النّشاط الزّراعيّ لأهالي
بسكنتا على الأراضي الملاصقة للنّواة السكنية، بل امتدّ على نطاق واسع من أراضي
البلدة وجرودها. وما تزال الجلول الزّراعيّة القديمة وآثار المعاصر واستصلاح
المنحدرات المنتشرة في المشهد الطبيعيّ شاهدًا مادّيًّا على اتّساع المساحات التي خضعت
تاريخيًّا للاستصلاح والاستثمار الزّراعيّ. فقد امتدّت الأراضي المستثمرة، بحسب ما
بقي ظاهرًا من هذه المعالم، من محيط القرية إلى منطقة وادي الدّلب، صعودًا في
اتجاه سفوح صنّين وجروده، ونزولًا عبر المنحدرات والوديان. وكانت المصاطب أو
الجلول وسيلة أساسيّة لتحويل السفوح الحادّة إلى أراض قابلة للزراعة، وإلى الحدّ
من انجراف التربة وحفظ الرطوبة.
وتشير آثار المعاصر القديمة المنتشرة
في أراضي بسكنتا إلى تنوّع أوجه الاستغلال الزّراعيّ، ويرجّح ارتباط بعضها بعصر
العنب أو الزّيتون، وفق طبيعة المعصرة وموقعها. وإلى جانبها، عُرفت في الأودية
وعلى مجاري المياه ومساقطها الطواحين المائيّة، التي استفادت من قوّة جريان المياه
في تشغيل أحجار الطحن، ولا سيّما لطحن القمح. ويكشف وجودها عن جانب آخر من استثمار
الموارد الطبيعيّة في البلدة، حيث لم تُستخدم المياه للرّيّ وحده، بل دخلت أيضًا
في تشغيل منشآت إنتاجيّة مرتبطة مباشرة بالاقتصاد الزّراعيّ. غير أنّ تحديد زمن إنشاء
كلّ معصرة أو طاحونة وفترة استخدامها يحتاج إلى توثيق ميدانيّ أو تاريخيّ مستقلّ،
ولذلك لا يجوز نسبة جميع المنشآت الباقية اليوم تلقائيًّا إلى سنوات 1900 – 1909. وتكشف
كثافة الجلول وتوزّعها، إلى جانب المعاصر والطواحين المائيّة، أنّ الاقتصاد
الزراعيّ للبلدة اعتمد على استثمار متكامل للأرض والمياه واختلاف مستويات
الارتفاع، من الأودية والمنحدرات الأقلّ ارتفاعًا إلى الأراضي العليا في اتجاه
صنّين، بحيث أُفيد من اختلاف التربة والمياه والمناخ بين منطقة وأخرى.
التّوت والفيالج وصناعة الحرير
كانت
أوراق التوت الغذاء الأساسي لدود القزّ، الذي ينتج الفيالج، أي شرانق الحرير،
ومنها يُحلّ خيط الحرير. وتورِد المصادر المحلّيّة أرقامًا مرتفعة لإنتاج
الفيالج ولمعامل حلّ الحرير في بسكنتا، غير أنّ الإفادة منها تبقى محدودة بسبب
غياب تأريخ دقيق لها. إلّا أن دليل
لبنان الصّادر سنة 1906
يوفّر شاهدًا أقرب إلى الفترة، إذ يذكر وجود خمسة معامل لحلّ الحرير في بسكنتا،
مع تسمية بعض أصحابها (الأسود، 1906).
تربية
الحيوان
تكاملت
تربية الحيوان مع القطاع الزراعيّ في بسكنتا تكاملًا وثيقًا؛ ويتجلّى الاهتمام
بالحيوانات الحلوب في تنوّع منتجات البلدة التقليديّة من ألبان وأجبان وقريشة،
فضلًا عن ازدهار تربية النّحل الذي يظهره الإنتاج المحلّيّ للعسل (الجيش اللبنانيّ، 2005). وكانت
البغال والحمير والخيل ضروريّة للتّنقّل ونقل المحاصيل والحطب والفيالج والبضائع.
الحِرَف
اشتُهرت بسكنتا أيضًا بالحياكة. وتَنسب
إليها المصادر المحلّيّة وجود نحو 400 نول،
إضافة إلى نحو 50 مصبغة
(الجيش اللبنانيّ، 2005). وهذه أرقام لا يمكن تأريخها بدقّة للسّنوات 1900–1909،
لكنّها تشير إلى رسوخ تقاليد النّسيج والصّباغة. كما عُرفت فيها الحدادة
والصّياغة، وهما حرفتان تكشفان أنّ اقتصاد البلدة تجاوز الزّراعة وتربية الحيوان
إلى أشكال متعدّدة من الإنتاج الحرَفيّ. وهكذا تداخلت الزّراعة
والقزّ والحرير والحياكة والصّباغة والتجارة، بحيث كان الاقتصاد البسكنتاويّ أكثر
تنوّعًا ممّا توحي به صورة القرية الزّراعيّة البحتة.
4.
سوق "السّطوح" والحياة التّجاريّة
شكّل سوق "السّطوح" أحدَ
مراكز الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة في بسكنتا. وتذكر المصادر المحلّيّة أنّ
الرّجال كانوا يجتمعون على سطوح الدّكاكين في أوقات الفراغ ويتداولون في الشّؤون التجاريّة
والصناعيّة والاقتصاديّة والعمرانيّة (الجيش اللبنانيّ، 2005). وهذا الوصف يجعل
السّوق أكثر من مجرّد مكان للبيع والشّراء؛ فقد كان ملتقًى اجتماعيًّا ومحلّيًّا
لتبادل الأخبار ومناقشة مصالح البلدة. وترتبط أهمّيّته بتعدّد
النشاطات الاقتصاديّة: الحياكة والصباغة والحدادة والصياغة والحرير والمنتجات الزّراعيّة
والغذائيّة. ويرجّح، بالنظر إلى هذه الأنشطة، أنّ السوق كان نقطة لتداول جانب من
هذه المنتجات بين المنتجين وأصحاب الدكاكين والتجّار. ولا نملك حتى الآن سجلًّا
تجاريًّا يعود إلى 1900–1909 يحدّد عدد الدّكاكين أو أسماء أصحابها أو حجم
المبادلات؛ لكنّ المصادر تسمح بوصف سوق السّطوح بأنّه أحد
أبرز مراكز النّشاط التجاريّ والاجتماعيّ في بسكنتا في المرحلة السّابقة للحرب العالميّة الأولى.
5. المدارس
والتعليم واللغات
عرفت
بسكنتا تعليمًا منظّمًا قبل مطلع القرن العشرين بمدة طويلة. ويخصّص بطرس حبيقة في تاريخ
بسكنتا وأسرها فصلًا مستقلًّا بعنوان "مدارس"، يشير في مقدّمته إلى
أنّه يقتصر على المدارس التي انتظمت في الأزمنة الأقرب إليه، ممّا يدلّ على تعدّد
المؤسّسات التعليميّة التي عرفتها البلدة قبل القرن العشرين وخلاله (حبيقة، 1946،
ص ص 22-23) .
مدرسة
مار يوسف
يضع حبيقة مدرسة القديس يوسف التابعة
للرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة في مقدّمة مدارس بسكنتا، ويحيل إلى تاريخ
الكنيسة والمؤسّسة نفسها. وتفيد روايته أنّ أهل بسكنتا سلّموا المؤسّسة إلى الرّهبانيّة
على أن تتولّى، إلى جانب الخدمة الروحيّة، تعليم الناشئة، وأنّ الرهبان باشروا
التدريس فيها منذ زمن سابق بكثير للقرن العشرين. وتؤكّد تراجم الرّهبان استمرار
المدرسة عبر القرن التاسع عشر؛ فقد كان الأب نعمة الله أبو ناضر وكيلًا عليها سنة
1818، وتعاقب غيره من الرهبان على وكالتها. كما تلقّى الأباتي يوسف عيد سليمان
حبيقة علومه الأولى فيها، ثم تولّى إدارتها مرارًا، وأعاد بناءها بطبقتين وجهّزها
بالأثاث وأصلح الكنيسة المجاورة، وبقي مرتبطًا بها إلى وفاته سنة 1944 (حبيقة، 2023،
ص ص 44-45). وهكذا كانت مدرسة مار يوسف من أرسخ المؤسّسات التّعليميّة في بسكنتا،
وسبقت الفترة التي ندرسها واستمرّت خلالها وبعدها.
مدرسة سيدة
الانتقال
أنشأ البسكنتاويّون مدرسة في أملاك وقف كنيسة سيّدة الانتقال، وتولّى الآباء اليسوعيّون إدارتها مدّة من الزمن. وكانوا يعيّنون المعلّمين ويسهمون بالقسم الأكبر من رواتبهم، فيما كان أبناء البلدة وجوارها يتعلّمون فيها مجّانًا. ويذكر حبيقة أنّ الخوري يوسف الهراوي أشرف على إدارتها باسم اليسوعيّين (حبيقة، 1946، ص 22). وبطرس حبيقة نفسه، المولود سنة 1873، تلقّى فيها تعليمه الأوّل بإدارة اليسوعيّين قبل انتقاله إلى زحلة (حبيقة، 2023، ص 4).
مدرسة الخوري يوسف الهراوي
ويذكر
حبيقة أنّ الخوري يوسف الهراوي، إلى جانب إشرافه على مدرسة سيّدة الانتقال، أنشأ
مدرسة خاصّة به، تولّى إدارتها والتعليم فيها، ثم عهد بها مدّة إلى إخوة مريميّين
فرنسيّين. وكانت هذه
المدرسة قائمة في مطلع القرن العشرين، ويؤكّد ارتباطها بتلك المرحلة إنشاء الخوري
يوسف الهراوي معبد مار لويس غونزاغا سنة 1904 إلى جانب مدرسته. وبذلك
ينبغي التمييز بين مدرسة سيّدة الانتقال التي أشرف الهراوي فترة على إدارتها باسم
اليسوعيّين، وبين مدرسته الخاصّة التي أسّسها وأدارها.
المدرسة
الروسيّة الأرثوذكسيّة
أنشأ أبناء الطائفة الأرثوذكسيّة مدرستهم في بسكنتا، ويذكر حبيقة أنّ البعثة الروسيّة تكفّلت بنفقاتها حتّى الحرب العالميّة الأولى، ثم انتقلت المؤسّسة في مراحل لاحقة إلى الإدارة الرسميّة والمحلّيّة (حبيقة، 1946، ص 22). وتثبت الدراسات الأكاديميّة أنّ المدرسة الروسيّة أُسست سنة 1899، وكان ميخائيل نعيمة من تلامذتها، قبل انتقاله سنة 1902 إلى الناصرة. وشمل برنامجها العربيّة والروسيّة والحساب والجغرافيا والتاريخ والتربية البدنيّة (Hine, 2011, pp. 25–26) .
مدرسة بطرس حبيقة
الداخليّة – كلّيّة القدّيس بطرس لاحقًا
يورد حبيقة مدرسته ضمن مؤسّسات
التعليم في البلدة، ويصفها بأنّها مدرسة داخليّة وخارجيّة. ويحسم
كتابه اللاحق تاريخ تأسيسها، إذ يذكر أنّه أنشأ
مدرسة داخليّة في بسكنتا سنة 1906، وضمّ إليها مدرسة سيّدة الانتقال،
وجعلها لاحقًا مجانيّة في أوقات الضّيقات والحروب. ثم بنى إلى جوارها سنة 1927
كنيسة على اسم شفيعه القدّيس بطرس، وفي سنة 1947 وهب المدرسة مع بعض الأملاك المجاورة لها لجمعيّة إخوة
المدارس المسيحيّة (Frères
des écoles chrétiennes) (حبيقة، 2023، ص 6 وما يليها). وتصفه
مؤلّفاته اللاحقة صراحة بأنّه مؤسّس
كلّيّة القديس بطرس في بسكنتا (Fondateur
du Collège St Pierre à Biskinta)، [تثبيت تاريخ اعتماد هذه التسمية
تحديدًا يحتاج إلى وثيقة مدرسيّة معاصرة] ممّا يتيح الرّبط بين المدرسة التي
أنشأها سنة 1906 والمؤسّسة التي عُرفت لاحقًا باسم مدرسة القديس بطرس – الفرير. وبالتالي، لم تكن مدرسة بطرس حبيقة
بداية التعليم في هذا الموقع، بل مرحلة جديدة في مسار تعليميّ أقدم، ارتبط بمدرسة
سيّدة الانتقال.
مدرسة
راهبات المحبّة - Besançon
يخصّص حبيقة فقرة مستقلّة لمدرسة
راهبات المحبة - Besançon، ويصفها بأنّها مدرسة داخليّة وخارجيّة للبنات،
كان التعليم فيها يشمل اللغات والعلوم اللازمة، إلى جانب التدبير المنزليّ وأشغال
الإبرة، كما يشير إلى تعليم الفتيات الفقيرات. وتتّفق هذه الشهادة المحلّيّة مع
السجلّ الرسميّ للرهبنة، الذي يثبت وصول راهبات المحبّة إلى بسكنتا سنة 1904 وبدء
نشاطهنّ التربويّ والصّحّيّ والاجتماعيّ في السنة نفسها. وتكمن أهمّيّة هذه المؤسّسة
في أنّها أضافت إلى شبكة مدارس بسكنتا تعليمًا منظّمًا للبنات، داخليًّا وخارجيًّا،
إلى جانب العمل الصحّيّ والاجتماعيّ.
مدارس أخرى
سبقت مطلع القرن العشرين
تكشف تراجم الرهبان في كتب حبيقة وجود
مدارس أخرى في بسكنتا خلال القرن التاسع عشر. فمنها مدرسة مار جرجس التي فتحها
الأب غسطين ضاهر حليحل الحاج، وعلّم فيها قبل وفاته سنة 1859، ومنها مدرسة مار
عبدا التي تعاقب عدد من الرهبان على إنشائها وإدارتها، وكان الأب أنطونيوس حليحل
الحاج وكيلًا عليها حتى سنة 1871، ثم تولى وكالتها رجال دين آخرون.
وهذه المدارس لا نستطيع حتّى الآن
إثبات استمرارها كلّها حتى 1900–1909، ولذلك يكفي ذكرها بوصفها دليلًا على أنّ
التقليد المدرسيّ في بسكنتا كان سابقًا بكثير للعقد الذي ندرسه.
اللغات
والتعليم
يكشف
تعدّد هذه المؤسّسات عن بيئة تعليميّة متعدّدة اللغات. فقد كانت العربيّة لغة التّعليم
الأساسيّة، وحضرت السّريانيّة في التّكوين الكنسيّ والعلميّ لدى عدد من رجال الدين
البسكنتاويّين، فيما دخلت الروسيّة بصورة منظّمة من خلال المدرسة الأرثوذكسيّة،
وحضرت الفرنسيّة عبر اليسوعيّين وراهبات البيزانسون وبعض المؤسّسات الكاثوليكيّة. ويقدّم بطرس حبيقة
والأباتي يوسف حبيقة مثالَين بارزَين على هذا التّعدّد. فقد أصدر بطرس حبيقة في
بسكنتا سنة 1903 كتاب Guide
pratique de la conversation dans la langue syriaque بالسريانيّة
والعربيّة والفرنسيّة، فيما جمع يوسف حبيقة ونشر سنة 1908، بمناسبة مؤتمر وستمنستر
الإفخارستيّ، مجموعة تضم 555 شاهدًا من الكتب الطقسيّة المارونيّة بالسريانيّة والعربيّة.
وهما شاهدان على حضور الدراسات السريانيّة والنشاط اللغويّ في البيئة الثقافيّة البسكنتاويّة
في مطلع القرن العشرين.
6. الكنائس والأديرة والمؤسّسات الدينيّة
كانت بسكنتا عند مطلع القرن العشرين
تضمّ شبكة من الكنائس والأديرة والمؤسّسات الدينيّة التي تشكّلت عبر مراحل تاريخيّة
سابقة. وتُذكر هنا بعض المؤسّسات الأقدم بقدر ما كانت جزءًا من المشهد الدينيّ
والاجتماعيّ القائم في البلدة خلال السنوات 1900–1909، إلى جانب الأبنية التي شهدت
إنشاءً أو تجديدًا داخل هذا العقد نفسه.
كنيسة سيّدة الانتقال
تُعدّ كنيسة سيدة الانتقال من أبرز
كنائس بسكنتا. وتشير المصادر إلى أنّ الموارنة والأرثوذكس اشتركوا في استخدامها في
مرحلة من تاريخها، وأنها ضمّت ثلاثة مذابح ارتبطت بالموارنة والأرثوذكس ثم بالروم
الكاثوليك (مفرّج، 2002، ص ص 109–110).
وفي الفترة موضوع الدّراسة تحديدًا،
هُدم البناء القديم سنة 1906 وأُعيد تشييد الكنيسة، واكتمل البناء في 10 تشرين
الأول 1908
(مفرّج، 2002، ص 111).
دير مار ساسين ودير الصّليب: خلفيّة
تاريخيّة
يعود تاريخه إلى مرحلة أسبق بكثير من
العقد المدروس. ويربط بطرس حبيقة تاريخه بالمطران يواصاف دبسي البسكنتاويّ، وتشير
الكتابة فوق مدخل كنيسة الدير القديم إلى اكتمال البناء سنة 1751 (حبيقة، 2023، ص
40).
وبحسب حبيقة، نقل المطران راهباته إلى دير مار ساسين القديم، ثم آلت كنيسته لاحقًا إلى آل العلم وعُرفت باسم مار أنطونيوس. وتعاون المطران بعد ذلك مع الرهبانيّة على بناء دير مار ساسين الجديد، المعروف أيضًا باسم دير الصليب، وأقام فيه مع راهباته حتى وفاته سنة 1760 (حبيقة، 2023، ص 42). وترد هذه الإشارة هنا لا بوصفها حدثًا من سنوات 1900–1909، بل لتفسير البنية الدينيّة التي كانت قائمة في بسكنتا عند مطلع القرن العشرين.
كنيسة ومدرسة مار يوسف
كانت كنيسة ومدرسة مار يوسف مرتبطة
بالرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة. ويذكر مفرّج أنّ أهل بسكنتا شرعوا في بناء
الكنيسة ثم سلّموها إلى الرهبانيّة مقابل الخدمة الروحيّة وتعليم الناشئة. وفي
السنوات 1906 – 1908 جرى تجديد الأنطش وتسقيفه بالقرميد على يد الأباتي
يوسف عيد حبيقة (مفرّج، 2002، ص 112).
كنيسة مار بطرس في مرج بسكنتا
بُنيت كنيسة مار بطرس في مرج بسكنتا
سنة 1897، أي قبل بداية الفترة المدروسة بثلاث سنوات، لكنها كانت جزءًا من المشهد
الرعويّ القائم خلالها. وقد جُعلت كنيسة رعائيّة للبَسكنتاويّين الذين أخذوا يبنون
مساكنهم في أراضي المرج، وهذا ما يعكس توسّع السّكن خارج النواة القديمة للبلدة
(مفرّج، 2002، ص 114).
معبدا مار موسى ومار لويس غونزاغا
شُيّد معبد مار موسى النبي سنة 1896،
أي قبيل الفترة المدروسة ( في بيت ساسين الشّيخ كرم)، فيما أنشأ الخوري يوسف موسى
الهراوي معبد مار لويس غونزاغا سنة 1904 إلى
جانب مدرسته، وهو من الإنشاءات التي تقع مباشرة ضمن العقد موضوع البحث (مفرّج،
2002، ص 113).
الكنائس الأرثوذكسيّة والكاثوليكيّة
كانت كنيسة مار ماما الكنيسة الرعائيّة القديمة للرّوم الأرثوذكس، كما شُيّدت كنيسة سيّدة الغابة سنة 1882 أو 1883 وكرّست سنة 1895، إضافة إلى كنيسة مار جرجس في محلة السّقي. وكانت هذه الكنائس قائمة عند مطلع القرن العشرين، وتشكّل جزءًا من البنية الدينيّة للطائفة الأرثوذكسيّة في بسكنتا (مفرّج، 2002، ص 114). وكان للرّوم الكاثوليك كنيسة مار الياس العنزة، المشيّدة في القرن التاسع عشر، والتي كانت قائمة بوصفها كنيسة رعائيّة لجماعتهم في بسكنتا خلال الفترة موضوع الدراسة (مفرّج، 2002، ص 114).
7.
الهجرة البسكنتاويّة إلى الأميركتين
أصبحت الهجرة إلى الأميركتين ظاهرة
ملموسة في حياة بسكنتا في مطلع القرن العشرين، وإن لم نملك حتى الآن إحصاءً يحدّد
عدد المغادرين بين 1900 و1909.
وثيقتان من
سنة 1909
من الشواهد المباشرة وثيقة كتبها الأب
موسى أبو حيدر في بسكنتا في 23 نيسان 1909، يشهد فيها بأنّ لويس حيدر (Lewis Hider)
وُلد في 15 تشرين الثاني 1892 وعُمّد في 29 كانون الأول من السنة نفسها. وحفظت
الوثيقة لاحقًا في أرشيف المهجر اللبنانيّ في الولايات المتّحدة. كما
توجد وثيقة مؤرّخة في 5 حزيران
1909 تثبت أنّ ماري حيدر (Mary Hider)
ولدت في بسكنتا في 13 حزيران 1893 وعُمّدت فيها في 15 تموز. والوثيقتان تقدّمان
مثالَين واضحين على استمرار
الصّلة بين المهاجرين أو أسَرِهم وبين سجلّات الرعيّة في بسكنتا، حتّى بعد انتقالهم
إلى الولايات المتّحدة.
من بسكنتا
إلى جمهورية الدومينيكان
في سنة 1909 غادر
يوسف ساسين أبي ناضر (José
S. Abinader)، المولود في
بسكنتا سنة 1889، إلى جمهورية الدومينيكان، فوصل إلى Puerto Plata ثم استقرّ في Santo
Domingo، وعمل في التجارة. وتزوّج
لاحقًا من Esther Wassaf
Sahdalá، المولودة في
جمهورية الدومينيكان لأبوين لبنانيّين كانا من بسكنتا أيضًا. وتشير هذه الحالة إلى
امتداد الهجرة البسكنتاويّة إلى منطقة الكاريبي، لا إلى الولايات المتّحدة وحدها.
الطبيب
نجيب عبدو
يمثل نجيب طنوس عبدو نموذجًا مبكرًا للهجرة
المتعلّمة. ولد في بسكنتا في 10 شباط 1876، وخرج مع والده إلى الأميركتين، وحصل
على شهادة الطّبّ من جامعة لاڤال سنة 1900. ومنذ سنة 1904 عمل
طبيبًا ومترجمًا لدى جهاز الهجرة الأميركيّ في نيو أورلينز والمكسيك، جامعًا بين
العمل الطبّيّ وخدمة المهاجرين.
وتظهر هذه الحالات أن الهجرة
البسكنتاويّة لم تقتصر على الباعة والتجّار، بل شملت أصحاب المهن والمتعلّمين،
وأسهمت في إنشاء شبكة من العلاقات بين البلدة والأميركتين.
8.
البيت والأسرة والمرأة والغذاء والحياة اليوميّة
تسمح
المصادر المحلّيّة بإعادة رسم بعض ملامح الحياة اليوميّة في بسكنتا، وإن كانت
المادّة المتوافرة متفاوتة من حيث زمنها ودقّتها. ويمثّل كتاب طانيوس أبو ناضر، الطبيب الطريد، مصدرًا
بسكنتاويًّا مهمًّا في هذا المجال، مع ضرورة الانتباه إلى أنّ أحداثه تقع أساسًا
في سنوات الحرب العالميّة الأولى، أي بعد الفترة التي ندرسها بسنوات قليلة.
البيوت والعمران
اتّسم
البيت الريفيّ التقليديّ في بسكنتا بالبساطة والتكيّف مع البيئة الجبليّة والمناخ
البارد. وكان يتألّف في نمطه الأساسيّ من طبقة
واحدة، تُبنى جدرانها من الحجر المحلّيّ وتكون سميكة أو كلّين
بحسب التّعبير المحلّيّ، بما يساعد على حفظ الحرارة في الشتاء والاعتدال في الصيف.
وكان السّقف يُقام على جسور
خشبيّة غليظة، تعلوها طبقات من الخشب، ثم تُغطّى بالتراب المدكوك.
ومع حلول الشتاء كان أهل البيت يعمدون إلى حدل
السطح وإعادة ضغط التراب للمحافظة على تماسكه والحدّ من تسرّب
مياه الأمطار إلى الداخل. وكانت الأبواب
والنّوافذ صغيرة نسبيًّا ومحدودة العدد، بما يخفّف من دخول البرد
والرّياح. وصُنعت الأبواب غالبًا من الخشب السّميك، فيما أُحيطت فتحات الأبواب
والنّوافذ بالحجر، بحسب ما تسمح به إمكانات الأسرة وطبيعة البناء. ولم يكن البيت منفصلًا عن النشاط الزراعيّ للأسرة، بل شكّل مع ملحقاته
وحدة معيشيّة وإنتاجيّة متكاملة. فإلى جانبه كانت توجد السيرة أو التّصوينة،
وهي مساحة مسوّرة تُستخدم لأغراض الحياة اليوميّة وتربية الدواجن وحفظ بعض الأدوات
والمحاصيل. وكان القبو
الملاصق للبيت، أو القائم تحته حيث تسمح طبيعة الأرض المنحدرة، يُستعمل في كثير من
الأحيان مزرَبًا
للمواشي، كما استُخدم لحفظ الأعلاف والمؤونة والأدوات الزراعيّة.
وبذلك
جمع البيت البسكنتاويّ بين وظائف السّكن والتخزين وتربية الحيوان والعمل الزراعيّ،
وكان مرتبطًا مباشرة بالأرض والبستان والجلول المحيطة به. ولم تكن المساكن كلّها
متشابهة؛ فقد تفاوتت في مساحتها وشكلها بحسب قدم البناء وموقعه ووضع الأسرة
الاقتصاديّ. وإلى جانب هذا النموذج الريفيّ البسيط، ظهرت بيوت أكثر اتّساعًا،
بعضها من طبقتين، واستُخدم في بعضها القرميد
الأحمر والأسقف المائلة والواجهات ذات الفتحات الأوسع، ولا سيّما
لدى الأسر الأيسر حالًا.
كما
لم تبقَ المساكن محصورة في النّواة القديمة للبلدة، بل أخذ العمران يمتدّ
تدريجيًّا نحو الأراضي المحيطة. ويشكّل بناء كنيسة مار بطرس في مرج بسكنتا سنة 1897 لخدمة البسكنتاويّين الذين أخذوا يبنون مساكنهم في تلك
المنطقة شاهدًا على هذا التّوسّع السّكنيّ قبيل مطلع القرن العشرين.
المرأة
والعمل المنزليّ
كانت المرأة عنصرًا أساسيًّا في تدبير
المنزل والمونة والعمل الزّراعيّ، ولا سيما الأنشطة المرتبطة بالحبوب والقزّ. ويقدّم
حبيقة شاهدًا محلّيًّا من دير مار ساسين، حيث كانت الراهبات يغربلن الحنطة ويخزّنها
مؤونة للشّتاء، كما يذكر «بيت القزّ» المرتبط بتربية دود الحرير (حبيقة، 2023، ص
33). ولكن لا يجوز مساواة حياة الدير بحياة كلّ بيت بسكنتاوي، غير أنّ هذه الشواهد
تكشف طبيعة بعض الأعمال اليوميّة المعروفة في البيئة المحلّيّة.
الغذاء
والمونة
كان تخزين المؤونة أمرًا أساسيًّا في
بلدة جبليّة ذات شتاء قاسٍ. ويثبت المصدر المحلّيّ تخزين القمح، كما يذكر الدبس،
وترد في وصف منتجات البلدة الألبان والجبن والقريشة والعسل. وتكشف سنوات الحرب، كما
وصفها أبو ناضر، مدى أهمّيّة الحبوب والمؤونة المحلّيّة حين تعرضت المنطقة لاحقًا
للجوع وندرة الموادّ الغذائيّة.
الماء والطّرق
والتّنقّل
شكلت الينابيع ومجاري المياه عنصرًا أساسيًّا
في جغرافية بسكنتا وفي توزيع الأراضي الزّراعيّة وحركة السكّان. وكان السّير على
الأقدام وسيلةً أساسيّة للتّنقّل، إلى جانب الخيل والبغال والحمير. كما يرد ذكر
البغال في كتاب حبيقة في سياق الحياة المحلّيّة (حبيقة، 2023، ص 34).
ويشير
دليل لبنان
إلى أن طريق العربات
وصلت إلى بسكنتا في عهد مظفّر باشا، أي في الفترة الواقعة بين
1902 و1907، وأنّ الطريق شمل إنشاء عدد من الجسور، ممّا يدلّ على تحسّن نسبيّ في
الاتّصال بين البلدة ومحيطها خلال العقد نفسه (الأسود، 1906).
السّوق
والحياة العامّة
كان السّوق مركزًا للبيع والشّراء
وتبادل الأخبار، كما كان مكانًا للتّشاور في شؤون البلدة. وتظهر في الطبيب
الطريد صورة مجتمع يحضر فيه رئيس البلديّة والوجهاء والكهنة وأصحاب الرأي في
معالجة القضايا العامّة (أبو ناضر، 2017).
اللباس
لا
تتيح المصادر المتوافرة حتى الآن وصفًا تفصيليًّا ومؤرّخًا للباس أهالي بسكنتا بين
سنتي 1900 و1909. وتفيد الدراسات المتعلّقة بالقرية اللبنانيّة في أواخر القرن
التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بأنّ الألبسة الريفيّة كانت تتكيّف مع طبيعة العمل
الزراعيّ والمناخ الجبليّ، وتعتمد الصّوف والقطن، إلى جانب أقمشة أغلى ثمنًا في
المناسبات.
ومن
المرجّح أنّ لباس أهالي بسكنتا اختلف باختلاف الجنس والعمر والمهنة والوضع
الاجتماعيّ، بين الفلاحين ورجال الدين والموظّفين والوجهاء والمتعلّمين. كما أسهم
الانفتاح على بيروت، واتّساع التعليم، والهجرة إلى الخارج، والاتّصال بالمراكز
العثمانيّة، في إدخال عناصر جديدة إلى المظهر والعادات خلال مطلع القرن العشرين.
ويبدو
التّأثير العثمانيّ واضحًا في بعض مظاهر اللباس، ولا سيّما اعتمار الطربوش،
الذي كان واسع الانتشار في بلاد الشّام في أواخر العهد العثمانيّ، وتظهره بعض
الصور القديمة المرتبطة ببسكنتا. كما انعكس هذا التأثير، بدرجات متفاوتة، في بعض
العادات والتّسميات والموسيقى وأنماط الحياة العامّة، من دون أن يعني ذلك اختفاء
الأزياء الريفيّة المحليّة.
وتذكر
الدّراسات العامّة للقرية اللبنانيّة عناصر تقليديّة في لباس الرجال، من بينها الشروال، وأغطية
الرأس مثل اللبّادة
والكوفيّة والطربوش، ولاحقًا القبّعة الأجنبيّة، فضلًا عن الأحذية
الجلديّة المحلّيّة. كما شهد لباس النساء وأغطية الرأس وأشكال الزّينة تحوّلات تدريجيّة
مع مطلع القرن العشرين. غير أنّ نسبة كلّ عنصر من هذه العناصر إلى بسكنتا تحديدًا
تحتاج إلى شاهد محلّيّ مباشر، من صور أو وصف معاصر.
الشتاء
وإيقاع الفصول
كان للمناخ أثر مباشر في الحياة اليوميّة.
فبسكنتا بلدة مرتفعة، وكان الشتاء والثلج والبرد يزيدان أهمّيّة المؤونة والحطب،
بينما ارتبط الربيع والصيف بالأعمال الزّراعيّة والتوت والقزّ والحصاد والتنقّل
بين الأراضي. وهكذا كان إيقاع الحياة اليوميّة
يتحدّد إلى حدّ بعيد وفق البيت والأسرة والأرض والسوق والكنيسة والمدرسة وتعاقب
الفصول.
9. شخصيّات بسكنتاويّة بين 1900 و1909
تعكس بعض الشّخصيّات البسكنتاويّة في
هذه الفترة اتّجاهات التحوّل التي عرفتها البلدة: التعليم، والهجرة، والانفتاح
الثقافيّ.
بطرس حبيقة
ولد بطرس حبيقة في بسكنتا سنة 1873،
وتلقّى تعليمه الأوّل في مدرسة سيّدة الانتقال، ثم تابع دراساته الكهنوتيّة. وسيم
كاهنًا سنة 1898
أمام مذبح سيّدة الانتقال في بسكنتا. وفي
سنة 1906
أنشأ مدرسته الداخليّة، ثم عُيّن سنة 1908 نائبًا أسقفيًّا في بسكنتا ومنطقتها (حبيقة،
2023، ص ص 4، 6). وكان نشاطه في السريانية والعربيّة والفرنسيّة دليلًا على تكوين
ثقافيّ ولغويّ تجاوز حدود العمل الرعويّ.
الأباتي يوسف عيد سليمان حبيقة
ولد
يوسف عيد سليمان حبيقة في بسكنتا سنة 1878، وتلقّى علومه الأولى في مدرسة مار
يوسف، ثم تابع دراسته في كفيفان وقرنة شهوان، وبرع في العربيّة والسريانيّة، وعرف
الفرنسيّة، ودرس الفلسفة واللاهوت. وبعد سيامته كاهنًا سنة 1898 تولّى التعليم في
الرهبانيّة، كما عُيّن مرارًا وكيلًا على مدرسة مار يوسف في بسكنتا، فأعاد بناءها
بطبقتين وجهّزها بالأثاث وأجرى إصلاحات في الكنيسة المجاورة. وتبرز شخصيّته في هذه
الدراسة لاقتران نشاطه التربويّ المحلّيّ باهتمام علميّ واضح باللغة السريانيّة
(حبيقة، 2023، ص ص 44-45).
رشيد أيّوب
ولد الشاعر رشيد أيوب في بسكنتا سنة 1871، وغادر
سنة 1889 إلى باريس، فأقام فيها ثلاث سنوات، ثم انتقل إلى مانشستر وعمل في
التجارة، قبل أن يعود إلى بسكنتا فترة قصيرة ويهاجر بعدها إلى نيويورك (الزركلي،
2002، ج. 3، ص. 22). وأصبح لاحقًا من أبرز شعراء المهجر،
وعُرف بلقب "الشاعر الشاكي"، وصدر له الأيّوبيات سنة 1916، وأغاني
الدرويش سنة 1928، وهي الدنيا سنة 1939. وتهمّنا سيرته هنا لأنّها تمثل
أحد الوجوه المبكرة للهجرة البسكنتاويّة التي جمعت بين التجارة والثقافة والأدب.
ميخائيل
نعيمة
كان ميخائيل نعيمة فتًى في الفترة
موضوع البحث، إلّا أنّ هذه السنوات كانت حاسمة في تكوينه. ولد في بسكنتا سنة 1889،
وتعلّم في المدرسة الروسيّة في بلدته، وانتقل سنة 1902 إلى
الناصرة، ثم إلى روسيا سنة 1906. ومن ثَمّ فإن أهمّيّة نعيمة هنا لا تقوم
على شهرته الأدبيّة اللاحقة، بل على أنّ بدايات تكوينه الثقافيّ انطلقت من البيئة
التعليميّة في بسكنتا قبل أن تمتدّ إلى فلسطين وروسيا (نعيمة، 2011؛ Hine, 2011).
نجيب طنوس
عبدو
ولد نجيب طنوس عبدو في بسكنتا سنة
1876. وحصل على شهادة الطّبّ من جامعة لافال سنة 1900، ثم عمل في كندا
والولايات المتّحدة الأميركيّة، ومنذ سنة 1904 لدى جهاز الهجرة الأميركيّ. كما
أصدر في 1907–1908 دليلًا للمهاجرين وأصحاب الأعمال العرب، فمثّل نموذجًا للهجرة
المهنيّة والثقافيّة البسكنتاويّة.
الخوري
يوسف موسى الهراوي
كان الخوري يوسف موسى الهراوي من
الشخصيّات التربويّة المحلّيّة. وتشير المصادر إلى وجود مدرسته منذ أواخر القرن
التاسع عشر، كما أنشأ سنة 1904
معبد مار لويس غونزاغا إلى جانب
المدرسة (مفرّج، 2002، ص 113). ويمثل الهراوي، إلى جانب بطرس حبيقة، جانبًا من
النشاط التربويّ المحلّيّ الذي سبق المؤسّسات الأجنبيّة واستمر إلى جانبها.
طانيوس
بك أبو ناضر
كان طانيوس بك أبو ناضر
من الشخصيّات القانونيّة البارزة في بسكنتا في مطلع القرن العشرين. ويورده دليل
لبنان سنة 1906 ضمن وكلاء االدعاوى المأذونين من حكومة
متصرفية جبل لبنان في قضاء المتن، وهو ما يثبت حضوره المهنيّ
والقانونيّ في تلك المرحلة (الأسود، 1906).
وتصفه
مصادر محلّيّة لاحقة بأنّه اشتغل بالفقه والمحاماة وعُرف بمكانته بين أبناء
البلدة. أمّا الرّوايات التي تربطه بمواقف سياسيّة معارضة للسّلطة العثمانيّة،
فينبغي التّعامل معها بحذر إلى أن تتوافر وثائق معاصرة تثبتها بصورة مستقلّة.
نعمة
الله عبد الله أبو ناضر الثّالث
كان نعمة الله عبد الله أبو ناضر الثّالث
من الشخصيّات البسكنتاويّة ذات الصّلة بالحياة السياسيّة والفكريّة في أواخر العهد
العثمانيّ. ويذكر بطرس حبيقة أنّه درس في الجامعة اليسوعيّة في بيروت، وتعلّم
الفقه على أخيه طانيوس، ثم انتظم في إسطنبول في جمعية "تركيّا الفتاة"،
وكتب مقالات سياسيّة إصلاحيّة في صحف إسطنبول وبيروت ولبنان، واضطُرّ إلى مغادرة
العاصمة العثمانيّة بسبب نشاطه السياسيّ، قبل أن ينخرط لاحقًا في الحياة الرهبانيّة. وتبرز أهمّيّته بوصفه مثالًا على انخراط بعض أبناء بسكنتا في التيّارات
الإصلاحيّة العثمانيّة، غير أنّ تحديد السنوات الدقيقة لنشاطه في «تركيا الفتاة»
يحتاج إلى مزيد من التوثيق قبل ربطه زمنيًّا بكل سنة من العقد 1900-1909.
نجيب
إبراهيم خلف وشقيقه ملحم خلف
من
أبناء بسكنتا البارزين في الحقل القانوني نجيب إبراهيم خلف وشقيقه ملحم خلف.
وترتبط سيرتهما بإصدار مجلة «الحقوق» في مطلع القرن العشرين، وهي من أوائل الدوريّات
القانونيّة المتخصّصة في لبنان. وتختلف المراجع في تحديد سنة بدء صدورها وبعض
أسماء المشاركين في تأسيسها؛ إذ تذكر بعض المصادر سنة 1909، بينما يثبت فيليب دي
الطرازي صدور «الحقوق» في 18 شباط 1910 في جسر نهر بيروت، ويذكر ملحم خلف وسليم
المعوشي من القائمين عليها (الطرازي، 1913-1933).
خاتمة
تكشف بسكنتا بين 1900 و1909 عن مجتمع
جبليّ متجذّر في الزراعة والأسرة والكنيسة، لكنّه كان في الوقت نفسه يدخل مرحلة من
التحوّل المتسارع. كانت البلدة مركز ناحية،
وفيها سوق وحرف ومعامل حرير ومدارس وكنائس وأديرة، ووصل إليها التعليم الروسيّ
والفرنسيّ، فيما كان أبناؤها ينتقلون إلى فلسطين وروسيا وأوروبا والأميركتين. وفي
سنة 1904 أضاف وصول راهبات المحبّة – البيزانسون – بُعدًا جديدًا إلى المشهد
التربويّ والصحّيّ والاجتماعيّ للبلدة.
وتظهر
بسكنتا في هذا العقد بوصفها مركزًا جبليًّا محلّيًّا جمع بين الزراعة والحِرَف
والسّوق والتّعليم والمؤسّسات الدينيّة والإدارة، فيما أخذ أبناؤها ينخرطون بصورة
متزايدة في شبكات الهجرة والتعليم والتّجارة والاتصال الثقافي خارج البلدة. فلم
تكن البلدة مركزًا زراعيًّا فحسب، بل كانت أيضًا مركز ناحية له جهاز إداريّ محلّيّ،
ونخبة قانونيّة، ومدارس متعدّدة، ومؤسّسات دينيّة واقتصاديّة ناشطة.
المراجع
أولًا.
المراجع العربيّة
أبو
ناضر، طانيوس. (2017). الطبيب
الطريد
(م. معلوف، تحقيق؛ ط. 2). منشورات الحركة الثقافيّة في بسكنتا والجوار، مطبعة علم.
(نُشر العمل الأصليّ عام 1920).
الأسود،
إبراهيم بك. (1906). دليل
لبنان (ط. 3). بعبدا : المطبعة العثمانيّة.
الجيش
اللبنانيّ. (2005). اسمها
بيت العدل وتاريخها عريق – بسكنتا: جارة القمر المتّكئة إلى صنّين، ملهمة الشعراء
والأدباء.
الموقع الرسميّ للجيش اللبنانيّ.
الزركلي،
خير الدّين. (2002). الأعلام
(ط. 15، ج. 3). دار العلم للملايين.
حبيقة،
بطرس. (1946). تاريخ
بسكنتا وأُسَرها. المطبعة الكاثوليكيّة.
حبيقة،
بطرس. (2023). حياة رجل الله
البارّ الأب مبارك حليحل الحاج البسكنتاوي، الرئيس العامّ على الرهبانيّة
اللبنانيّة، 1779 - 1864 (ط. 2، إعداد الطبعة الثانية: م. معلوف).
الحركة الثقافيّة في بسكنتا والجوار، مطبعة علم. (نُشر العمل الأصليّ عام 1952).
الطرازي،
فيليب دي. (1913 – 1933). تاريخ
الصِّحافة العربيّة. بيروت: المطبعة الأدبيّة.
مفرّج،
طوني. (2002). موسوعة
قرى ومدن لبنان (ج. 3). دار نوبليس.
نعيمة،
ميخائيل. (2011). سبعون
: حكاية عمر، 1889 - 1959 (ج. 1 : المرحلة الأولى، 1889–1911). مؤسّسة
نوفل.
ثانيًا.
مؤلّفات بطرس حبيقة ويوسف حبيقة باللغات الأجنبيّة
Hobeika, Pierre. (1949). L’Unité
chrétienne ou Union des Églises orthodoxes et de l’Église catholique.
Beyrouth : Imprimerie des Apprentis Libanais.
Hobeika, Joseph. (1926). S.
Ephrem et la Sainte Eucharistie : Choix de 47 textes de ce saint docteur.
Textes recueillis et traduits en arabe par le Père Joseph Hobeika ; traduction
française et introduction par Mgr Pierre Hobeika. Beyrouth : Imprimerie
Catholique.
Hobeika, Joseph. (s.d.). Recueil
de poèmes syriaques composés au vingtième siècle. Biskinta, Liban.
Hobeika, Pierre. (1951). Les
hauts faits de Sa Béatitude Mgr Antoine Pierre Arida, Patriarche maronite
d’Antioche et de tout l’Orient : Annales de la XIXe année de son patriarcat.
ثالثًا. الدراسات الأكاديميّة الأجنبيّة
Akarlı, E. D. (1993). La longue paix : Liban ottoman,
1861–1920. University of California Press.
Hine, A. D. (2011). La littérature russe dans les
œuvres de Mikhaïl Naimy [thèse de doctorat, SOAS University of
London].
Khater, A. F. (2001). Inventer le foyer : émigration,
genre et classe moyenne au Liban, 1870–1920. University of
California Press.
رابعًا. الوثائق
والأرشيفات والمصادر الإلكترونيّة
Centre Khayrallah pour les études de la diaspora libanaise. (23 avril 1909).
Lettre de Lewis Hider. Le Dr Hoda Z. Nassour et Herbert R. Nassour Jr.,
Archives de la Diaspora libanaise, Université d’État de Caroline du Nord. lebanesestudies.omeka.chass.ncsu.edu
Centre Khayrallah pour les études de
la diaspora libanaise. (5 juin 1909). Lettre de Mary Hider. Le Dr Hoda
Z. Nassour et Herbert R. Nassour Jr., Archives de la Diaspora libanaise,
Université d’État de Caroline du Nord. lebanesestudies.omeka.chass.ncsu.edu
Centre Khayrallah pour les études de
la diaspora libanaise. (4 octobre 2017). Nouvelles sources sur le commerce
et les affaires. Université d’État de Caroline du Nord.
L’Orient-Le
Jour. (2020). De Baskinta à Puerto Plata, l’histoire de famille de l’actuel
président de la République dominicaine.
Revue de l’Orient Chrétien. (1904). Notice bibliographique de Pierre Hobeica, Guide
pratique de la conversation dans la langue syriaque.
Sœurs de la Charité de Sainte
Jeanne-Antide Thouret. (s.d.). Liban : Les origines – Beskinta. Site
officiel de la Congrégation.
École Saint-Vincent des Sœurs de la
Charité – Baskinta. (s.d.). Historique.
تعليقات
إرسال تعليق